— أثناء هبوب عاصفة في قرية هادئة بجنوب فرنسا، لم تستطع الفنانة إم بي بواسونو التوقف عن البكاء، فآثار سنوات التوتر الناتج عن العيش في مدينة لوس أنجلوس بدأت تظهر عليها. وفينما كان المطر ينهمر، تقول إنها رأت كرة من الضوء تتحرّك نحوها.
بالنسبة لبواسونو، البالغة من العمر 57 عامًا، بدت تلك اللحظة وكأنها رسالة، بأنّ هذا المكان العريق، البعيد عن ضوضاء وضغوط فينيس بيتش في ولاية كاليفورنيا، كان مقدرًا لها أن تكون فيه.
بعد عام، وبعدما أصبحت غير قادرة على تحمل تكاليف منزلها المستأجر والاستوديو الخاص بها، واستنزفت بسبب ما تصفه بـ"التحسين الحضري" في حيها الذي عاشت فيه طويلًا، انتقلت وزوجها، مهندس البث إيفان كالفورد، إلى قرية ريفية صغيرة تُدعى "سايساك" قرب جبال البرانس، وهناك اشترت منزلًا لأول مرة في حياتها.
وهي تعيش الآن ما تصفه بحياة ريفية هادئة، تزرع النباتات وتترك لفنها العنان أخيرًا، ويبدو النظر إلى حياتها السابقة كأنه كابوس.
تقول: "كان جزء كبير من وقتي يُستهلك في الصراع مع المدينة والمطوّرين. والخروج كان مرهقًا جدًا، مع كل هذا الجنون المتصاعد للعيش قرب الشاطئ، لدرجة أنّ مدينتي التي أحببتها سابقًا لم تعد تحتويني".
وبعد 25 عامًا من الرسم التجريدي في "فينيس بيتش"، تقول بواسونو إن الإلهام والإبداع اللذين كانا يميزان أعمالها تآكلا بسبب التحسين الحضري الذي أثر على تلك المنطقة من أمريكا.
وتقول إنّ المشهد المتغيّر حوّل حياتها جحيمًا، إذ شعرت بأنها عالقة كفنانة وتواجه أزمة عاطفية، وكانت تعلم أنها بحاجة إلى فتح صفحة جديدة.
ورغم ما يسمى بـ"الدخل المتوسط"، بالكاد كانت مع زوجها قادرين على تدبير أمورهما، وكانا يعتقدان أنهما لن يتمكنا يومًا من امتلاك منزل، بل سيبقيان عالقين في دائرة لا تنتهي من الإيجارات.
وتقول: "عندما رأينا سوق العقارات في الجانب الغربي من لوس أنجلوس يصل إلى مستويات جنونية، أدركنا أننا سنضطر للتقاعد في ولاية أخرى، وما يمكننا تحمله لم يكن جذابًا إطلاقًا".
وكان منزلهما الخاضع لنظام الإيجار المنظم في لوس أنجلوس، الذي عاشا فيه لمدة 20 عامًا، مهددًا بشكل كبير.
وتوضح بواسونو: "كانت الإيجارات المحمية تختفي، وأصبحت فينيس نقطة جذب لصناعة التكنولوجيا. وكان المالكون الجدد من الخارج يحاولون بكل الطرق طردنا، وباتت مواجهة محاولاتهم تشغل أيامي بشكل متزايد".
ومنذ العام 1999، أُجبرت أيضًا على التخلي عن كل استوديو رسم استأجرته في لوس أنجلوس، إذ كانت تخسر المساحات لصالح مستثمرين أثرياء أو أعمال تجارية توسّعية.
وتشير إلى أنّ الصراع للبقاء في منزلها، والخوف من ارتفاع الإيجارات، والكفاح من أجل إيجاد مكان لممارسة الفن كان "أمرًا مرهقًا للغاية".
وكان مؤلمًا مشاهدة فنانين آخرين يغادرون، وجيران يبيعون منازلهم، وتحوّل فينيس من "جنة بوهيمية على الشاطئ" إلى شيء آخر.
وتضيف: "بدا الأمر كأن لا مجتمع أو مسؤول أو جهة حكومية تملك القدرة على إيقاف ذلك. ومع كل هذه الفوضى، أصبح من شبه المستحيل صناعة فن، إلا في حالات نادرة".
وقد أدى الضغط حتى إلى معارك قانونية. وتقول بواسونو إنها لجأت إلى المحكمة بسبب قضايا الإخلاء، وفازت بتعويض بسبب انتهاكات القوانين من قبل المالكين الجدد، وساعدت مستأجرين آخرين في المدينة.
وقد بدأت فكرة مغادرة الولايات المتحدة تتشكل عمليًا في العام 2022، عندما دُعيت للإقامة في منزل فنان آخر في "سايساك".
بعد إغلاقات جائحة "كوفيد-19"، كانت الرحلة بالنسبة لها وسيلة ملموسة للتخلص من سنوات مربكة، حيث استطاعت الرسم في بيئة هادئة وعريقة، بعيدة عن "المروحيات وصفارات الإنذار وضوضاء المرور والبناء".
وقد ساعدت البيئة المحيطة، بينها قلعة من العصور الوسطى تطل على وادٍ عميق، وأصوات الطبيعة، على "إعادة ضبط عقلها المتعب" وإحياء مهاراتها الفنية.
كما أن جميع الرسوم التي أنجزتها خلال ذلك الشهر، على ورق مصنوع يدويًا من مطحنة محلية عمرها 500 عام، عكست المشهد الطبيعي وتفسيراتها لما وصفته بـ"الاهتزاز القديم" للقرية.
وبعد عودتها إلى لوس أنجلوس، قررت وزوجها بسرعة أن المدينة لم تعد تمثل مستقبلًا لهما.
وجدت بواسونو منزلها بالصدفة. فأثناء إقامتها في "سايساك"، كانت تتوقف في مطعم بيتزا قديم جدرانه حجرية. وعندما علمت أن المالكين كانوا يحاولون بيع العقار منذ سنوات، شعرت بـ"دفعة من الطاقة" وأدركت أن المكان يمكن أن يتحول إلى منزل يجمع بين السكن والعمل، وهو ما كانت تحلم به.
وفي العام 2023، اشترى الزوجان المبنى المكون من ثلاث طبقا وبدآ بأعمال التجديد.
ورغم أنها لم ترغب بالكشف عن سعر الشراء، تقول بواسونو إن عقارًا مشابهًا في لوس أنجلوس كان سيكلف ما لا يقل عن 3 إلى 5 ملايين دولار.
ويعود تاريخ المبنى إلى القرن السابع عشر، وكان في الأصل ثلاثة منازل ضيقة تم دمجها مع مرور الوقت، ويوفر مساحة تقارب185 مترًا مربعًا، وهي مساحة أكبر مما كانا يتخيلان.
وتبع ذلك تجديد كامل بتكلفة تقل عن 100 ألف يورو، وهو جزء بسيط من تكلفة عمل مماثل في لوس أنجلوس.
وقد جرى تفريغ معظم الغرف، وإصلاح الأسلاك الكهربائية، وتركيب مدفأة ونظام تدفئة. ويضم المكان الآن شرفة داخلية كبيرة، بينما يحتوي الطابق الأرضي على استوديو بواسونو الفني وغرفة موسيقى لكالفورد، إضافة إلى متجر صغير لمشروع مستقبلي.
وتحتوي الطبقات العليا على غرفتي نوم وحمامين ومطبخ كبير وغرفتي معيشة.
وتقول: "رغم أننا سمعنا الكثير من القصص المرعبة عن صعوبة العثور على عمال هنا، كنا محظوظين جدًا بالحصول على أشخاص ممتازين. ما زلت مندهشة من مدى سرعة تجديد مبنى من ثلاث طبقات خلال حوالي عام ونصف العام".
مع ذلك، فقد واجهت بعض التحديات، منها إدارة أعمال البناء كامرأة تقود عمالًا رجالًا، لكنها تعلمت التكيف مع الثقافة المحلية باستخدام روح الدعابة والقهوة والمعجنات.
اليوم، تقول بواسونو إنها وجدت شعورًا بالحرية لم يكن في متناولها من قبل.
وقد شكّل انتقالها إلى "سايساك" ولادة جديدة لفنها وإبداعها. فامتلاكها لاستوديو كبير في منزلها، من دون خوف أن يُطلب منها المغادرة، منحها استقلالية لم تختبرها سابقًا.
وتضيف: "إنه نوع جديد من الثقة، وأصبح بإمكاني الآن استكشاف أعماق ممارستي الفنية من دون الشعور المزعج بالحاجة إلى الاستعداد للهجوم التالي".
أما روتينها اليومي، فبسيط. تتناول قهوتها الصباحية، ثم تخرج إلى الاستوديو الخاص بها وتبقى في ذلك العالم طوال اليوم، مع استراحة للذهاب إلى الحديقة الكبيرة التي تعمل على تنسيقها مع زوجها.
ولا تزال الطبيعة المحيطة بها مصدر إلهام دائم، إذ تقول إن "جبال البرانس تجعلني أتوقف يوميًا من شدة الإعجاب. وأشعر وكأنني وصلت إلى المشهد الذي كنت أحاول التقاطه طوال حياتي الفنية".
وتصف المنطقة بأنها "غنية بألف درجة من اللون الأخضر، وسماء تتوهج بالوردي والبرتقالي والأرجواني صباحًا ومساء".
وتصف الحياة في القرية بالهادئة والبطيئة، ورغم قربها النسبي من مدينة تولوز الفرنسية، تقول إنها "تشعر وكأنها في عالم آخر".
ويقضي الزوجان وقت فراغهما في البستنة، والطهي، وزراعة النباتات الطبية، وتعلم اللغة الفرنسية من السكان الأكبر سنًا.
وتقول بواسونو: "لقد استبدلنا المتاحف والمطاعم والمتاجر بسيارتين تمران يوميًا، ومسارات غابات، ومتجر بقالة صغير لطيف. الهدوء هنا هو العملة الحقيقية بعد عقود من العيش في المدينة".
وبالنسبة لبواسونو، يمثل هذا الانتقال أيضًا إعادة ارتباط شخصية عميقة، إذ غادر أسلافها منطقة نورماندي الفرنسية إلى كيبيك في القرن الثامن عشر قبل أن يستقروا لاحقًا في نيو إنغلاند.
وتقول إن انتقالها إلى "سايساك" يبدو وكأنه اكتمال لدائرة حياتها.
نيوز b.gw قناه وكالة اخبارية اعلامية دولية