"الحضانة للأصلح".. حزب مصري يطرح مشروع قانون لـ"حماية الأبناء" وسط جدل قوانين الأسرة

القاهرة، مصر —  تشهد الساحة التشريعية في مصر حراكًا متسارعًا حول ملف قوانين الأسرة والأحوال الشخصية، في ظل تعدد المبادرات والمشروعات التي تقدمت بها الأحزاب إلى جانب التحركات الحكومية لإعادة تنظيم هذا الملف.

ومن بين تلك المبادرات، طرح حزب المصريين الأحرار مشروع قانون "حماية حقوق الأبناء وضمان الاستقرار الأسري"، والذي يقوم على مبدأ "الحضانة للأصلح"، وذلك بالتوازي مع موافقة مجلس الوزراء على مشروع قانون الأسرة وإحالته إلى البرلمان، في إطار توجه أوسع لإعادة صياغة المنظومة القانونية المنظمة للعلاقات الأسرية.

وتدور هذه المشروعات حول إعادة النظر في مفهوم الحضانة وآليات تنفيذ الأحكام وحقوق الأبناء بعد الانفصال، وسط جدل مجتمعي بين من يطالب بتشريعات أكثر حسمًا تضمن سرعة التنفيذ، ومن يرى أن معالجة الأزمة لا تنفصل عن الوعي الاجتماعي والثقافة الأسرية بقدر ما ترتبط بالقانون نفسه.

وفي خطوة جديدة ضمن مسار إعادة تنظيم ملف الأحوال الشخصية، وافق مجلس الوزراءعلى مشروع قانون إصدار قانون الأسرة ضمن حزمة تشريعات تستهدف توحيد وتنظيم مسائل الأحوال الشخصية في قانون واحد، بدلًا من تشتتها بين عدة قوانين قديمة، تنفيذًا لتوجيهات رئاسية بسرعة إحالة مشروعات قوانين الأسرة إلى البرلمان، بهدف حماية الأسرة واستقرارها، وتعزيز المصلحة الفضلى للطفل، وتحديث آليات التقاضي أمام محاكم الأسرة، مع مراعاة ثوابت الشريعة الإسلامية.

وقال الدكتور عصام خليل، رئيس حزب المصريين الأحرار وعضو مجلس الشيوخ، إن مشروع قانون حماية الأبناء الذي طرحه الحزب للحوار المجتمعي "يعد مشروعًا مستقلًا، لكنه يتقاطع في مضمونه مع قانون الأحوال الشخصية"، موضحًا أن "الفلسفة الأساسية للمشروع تنطلق من أن التركيز يجب ألا ينحصر في مصلحة الأب أو الأم فقط، بل في مصلحة الطفل بالدرجة الأولى، باعتباره الطرف الأكثر تضررًا من النزاعات الأسرية".

وأضاف خليل أن "المشروع جاء بعد دراسة للإشكاليات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية الحالية، والتي غالبًا ما تدور حول الحضانة والنفقة من منظور تقليدي، بينما يتم تجاهل احتياجات الأبناء الفعلية"، وتابع أن المشروع "يستحدث تعريفات وآليات جديدة تهدف إلى ضبط هذا الملف بشكل أكثر مرونة وعدالة، بعيدًا عن القوالب الجامدة أو المعايير الثابتة التي لا تناسب اختلاف كل حالة عن الأخرى".

وأوضح، في تصريحات خاصة لـ بالعربية، أن المشروع "يتبنى مبدأ الحضانة للأصلح، بحيث لا تكون الحضانة قائمة على ترتيب ثابت، بل وفق تقييم واقعي لكل حالة على حدة، من خلال لجنة متخصصة داخل محكمة الأسرة تضم قاضيًا منتدبًا، إلى جانب خبراء في علم النفس والاجتماع والشؤون المالية، بحيث تتولى اللجنة دراسة كل حالة وتقديم رأي استشاري يساعد القاضي في تحديد الطرف الأكثر قدرة على رعاية الطفل وتحقيق مصلحته".

وأشار إلى أن المشروع "يتضمن أيضًا إنشاء منظومة الرقم القومي للأسرة، بحيث يكون لكل أسرة ملف إلكتروني موحد يبدأ منذ توثيق الزواج، ويضم بيانات الأسرة كاملة، بما يشمل الزوجين والأبناء والدخول ومستوى المعيشة، بما يتيح للقاضي الاعتماد على بيانات دقيقة في تقدير النفقة وفق المستوى الحقيقي للأسرة قبل الانفصال، بدلًا من الاعتماد على تقديرات عامة قد لا تحقق العدالة".

وأضاف خليل أن المشروع "يتعامل مع النفقة باعتبارها منظومة شاملة، وليس مجرد مبالغ منفصلة"، موضحًا أن هناك "تصورًا لوثيقة تأمين أسرية ترتبط بعقد الزواج، بما يضمن وجود حماية مالية مؤقتة للحاضن أو الأبناء فور وقوع الانفصال، إلى حين الفصل النهائي في النفقة، بما يمنع تعرض الطرف الحاضن أو الأطفال لأزمات معيشية مفاجئة".

وفي ما يتعلق بحقوق الرؤية، أكد أن المشروع" يتجاوز مفهوم الرؤية التقليدي إلى المعايشة، باعتبار أن الطفل من حقه التواصل الطبيعي مع والديه وأسرته، وليس مجرد لقاءات محدودة"، مشيرًا إلى أن المشروع "يطرح آليات رقمية لمتابعة تنفيذ ذلك، بما يضمن حقوق جميع الأطراف ويحد من المخاوف المرتبطة بعدم الالتزام أو الاستغلال".

وشدد خليل على أن المشروع "مطروح للحوار المجتمعي عبر منصات الحزب المختلفة، لاسيما أن الهدف ليس فرض رؤية أحادية، بل فتح الباب أمام النقاش العام والاستفادة من الملاحظات المختلفة، لأن القانون المقترح يستهدف في الأساس بناء منظومة أكثر توازنًا لحماية الأبناء وتقليل الآثار السلبية للنزاعات الأسرية".

كما أشار إلى أن الحزب يطرح، إلى جانب المشروع، تصورًا أوسع لإنشاء هيئة وطنية معنية بشؤون الأسرة، تعمل بشكل استباقي على دراسة الظواهر الأسرية ومعالجة أسبابها عبر التنسيق مع الإعلام والتعليم والمؤسسات المعنية، بما يسهم في تعزيز ثقافة المسؤولية الأسرية والوقاية من الأزمات قبل وقوعها.

من جانبها، قالت أستاذ علم الاجتماع، الدكتورة هالة منصور إن الجدل حول قوانين الأسرة والأحوال الشخصية، يجب ألا يقتصر على تعديل النصوص القانونية فقط، لأن بناء الأسرة واستقرارها لا يتحققان بالقانون وحده، خاصة أن الأسرة لا تبنى بمجرد إصدار تشريعات جديدة، بل تحتاج أولًا إلى وعي مجتمعي وثقافة أسرية وتربية اجتماعية سليمة، إلى جانب دور فعال للمؤسسات التعليمية والدينية والاجتماعية، معتبرة أن القانون يجب أن يكون أداة لضبط الحالات الخارجة، وليس البديل عن غياب الوعي.

وأضافت منصور، في تصريحات خاصة ل  بالعربية، أن أي قانون ناجح في هذا الملف يجب أن ينطلق من مصلحة الأبناء بالدرجة الأولى، بعيدًا عن الانحياز لفكرة أن التشريع يجب أن ينتصر لطرف على حساب آخر، مؤكدة أن الأطفال هم الأكثر تأثرًا بالنزاعات الأسرية رغم أنهم ليسوا أصحاب قرار الزواج أو الطلاق.

وشددت على أن اختزال العدالة في معادلة الرجل مقابل المرأة أضعف مفهوم العدالة نفسه، خاصة أن التعامل مع الأسرة يجب أن يكون من منظور شامل يراعي جميع الأطراف باعتبارهم جزءًا من كيان واحد، لا باعتبارهم خصومًا متصارعين.

وفي ما يتعلق بمقترح "الحضانة للأصلح"، رأت أن الفكرة في جوهرها تستهدف مصلحة الطفل، لكنها حذرت من "ترك مفهوم الأصلح بصياغات فضفاضة أو نسبية واسعة قد تجعل تطبيقه خاضعًا لاجتهادات شخصية"، مؤكدة على "ضرورة وضع ضوابط موضوعية واضحة تحدد المعايير بشكل دقيق، بما يقلل التفاوت في التقدير ويضمن عدالة أكبر".

كما أشارت إلى أن كثيرًا من الآليات المطلوبة لحماية مصلحة الطفل موجودة بالفعل داخل فلسفة محاكم الأسرة، مثل دور الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين وخبراء الطفولة، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في تفعيل هذه الأدوات بالشكل الذي أنشئت من أجله، معتبرة أن تحسين التطبيق وتفعيل القوانين القائمة قد يكون أكثر جدوى من الاكتفاء بإنتاج نصوص جديدة دون ضمان فعاليتها على أرض الواقع.

عن

شاهد أيضاً

رسالة جديدة منسوبة لمرشد إيران عن "جيراننا في الخليج" والأطراف الأجنبية

-- قال المرشد الأعلى الإيراني، مجتبى خامنئي، الخميس، إن "الأطراف الفاعلة الأجنبية" لا مكان لهم في الخليج سوى "في أعماق مياهه"، وذلك وسط المواجهة مع الولايات المتحدة، بحسب رسالة جديدة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Recent Comments

لا توجد تعليقات للعرض.

أحدث المقالات

Calendar

أبريل 2026
س د ن ث أرب خ ج
 123
45678910
11121314151617
18192021222324
252627282930  

الأرشيف

تصنيفات

منوعات

Calender

أبريل 2026
س د ن ث أرب خ ج
 123
45678910
11121314151617
18192021222324
252627282930  

الأرشيف