وزير الحرب الأميركي: باقون في هرمز والتجارة البحرية ستتدفق
الجيش الأميركي: ننتظر أوامر ترمب لاستئناف القتال ضد إيران
الولايات المتحدة: ميليشيات متحالفة مع إيران تخطط لهجمات داخل العراق
نيجيرفان بارزاني: رواتب اقليم كوردستان "استحقاق" كباقي العراقيين وعلاقتنا مع الحلبوسي مثمرة
تشهد أسواق بيع الآلات الموسيقية في مدينة كركوك، حركة لافتة خلال السنوات الأخيرة، مع تزايد اهتمام الشباب بتعلم العزف واقتناء آلات متنوعة، تتصدرها التراثية مثل العود والدف، إلى جانب آلات غربية مثل الجيتار والبيانو، في مشهد يعكس تنوع الذائقة الفنية في المدينة وتداخل ثقافاتها، ويشير إلى تحولات اجتماعية وثقافية متسارعة أعادت للموسيقى حضورها في الحياة اليومية.
وفي قلب المدينة، يبرز "قصر كركوك للآلات الموسيقية" كواحد من أقدم وأشهر المحال المتخصصة في هذا المجال، حيث شكّل على مدى سنوات طويلة وجهة رئيسية لعشاق الفن والموسيقى، ورافَق تحولات الذائقة الفنية في كركوك عبر أجيال متعاقبة.
ويضم المتجر تشكيلة واسعة من الآلات الموسيقية الشرقية والغربية، فضلاً عن مستلزماتها من أوتار وملحقات وأجهزة صوت، ما يجعله محطة متكاملة للمبتدئين والمحترفين على حد سواء، ومقصداً لمن يبحث عن الجودة أو حتى الاستشارة الفنية.
ويقول صاحب أحد أقدم متاجر بيع الأجهزة الموسيقية في كركوك، محمد "دي جي"، في تصريح لوكالة، إن "الإقبال على شراء الآلات الموسيقية يشهد تزايداً ملحوظاً، ولا سيما من قبل فئة الشباب"، مبيناً أن "العود لا يزال يحتفظ بمكانته كأحد أكثر الآلات طلباً، إلى جانب الجيتار الذي أصبح خياراً شائعاً لدى المبتدئين".
وأضاف أن "أسعار العود تبدأ من 50 دولاراً وتصل إلى 250 دولاراً بحسب الجودة ونوع الخشب وبلد المنشأ، وكذلك هو الحال بالنسبة لبقية الآلات التي تختلف أسعارها وفقاً للمواصفات الفنية والإمكانات الصوتية، إذ تتوفر آلات تناسب مختلف المستويات، من المبتدئ إلى المحترف".
وأشار "دي جي"، إلى أن "المتجر لا يقتصر دوره على البيع فقط، بل يسهم في نشر الثقافة الموسيقية من خلال تقديم الاستشارات للزبائن، و مساعدة المبتدئين في اختيار الآلة المناسبة لهم، فضلاً عن توفير خدمات الصيانة والتصليح، التي تُعد جزءاً مهماً من استمرارية استخدام الآلات والحفاظ على جودتها، خصوصاً مع حساسية بعض الآلات الخشبية للتغيرات المناخية، الأمر الذي يتطلب عناية خاصة وخبرة في التعامل معها".
ويرى أحد الزبائن ويدعى عباس العلي، أن "الإقبال على اقتناء الآلات الموسيقية في كركوك بات واضحاً خلال الفترة الأخيرة"، لافتاً إلى أن "الشباب أصبحوا أكثر اهتماماً بتعلم العزف، سواء على العود أو الكيتار، لما توفره الموسيقى من مساحة للتعبير عن الذات وتفريغ الضغوط اليومية".
ويضيف لوكالة، أن "انتشار مقاطع العزف عبر مواقع التواصل الاجتماعي شجع الكثيرين على خوض هذه التجربة، خاصة مع توفر الآلات بأسعار متفاوتة تناسب مختلف الفئات، فضلاً عن سهولة الوصول إلى دروس تعليمية عبر الإنترنت، ما جعل تعلم الموسيقى أكثر مرونة من السابق".
في حين يقول جاسم ياسر، لوكالة، إن "تنوع الآلات الموسيقية في أسواق كركوك أسهم في جذب مختلف الفئات العمرية"، مبيناً أن "الإقبال لم يعد مقتصراً على الهواة فقط، بل يشمل طلبة مدارس وموظفين يسعون لتعلم العزف كهواية أو لتطوير مهاراتهم الفنية، وهو ما يعكس تحولاً في نظرة المجتمع إلى الموسيقى".
ويشير إلى أن "بعض العائلات باتت تشجع أبناءها على تعلم الموسيقى، بعد أن كانت هذه الهواية تُقابل بتحفظ في السابق، الأمر الذي ساعد على انتشارها بشكل أوسع داخل المجتمع، وخلق بيئة أكثر تقبلاً للفنون".
ويؤكد متخصصون في الشأن الفني أن هذا الإقبال يعكس تحولات اجتماعية وثقافية في كركوك، حيث بدأت الموسيقى تستعيد حضورها في الحياة اليومية، ليس فقط كهواية، بل كمجال يمكن أن يتحول إلى مهنة مستقبلية، في ظل تزايد الطلب على العازفين والموسيقيين في المناسبات والفعاليات، إضافة إلى ظهور مبادرات شبابية لتأسيس فرق موسيقية محلية.
كما أسهمت المنصات الرقمية في تسهيل تعلم العزف، من خلال الدروس التعليمية المتاحة عبر الإنترنت، ما أتاح للشباب فرصة تطوير مهاراتهم دون الحاجة إلى الالتحاق بمعاهد متخصصة، وهو ما انعكس بدوره على تنشيط سوق بيع الآلات الموسيقية في المدينة، ورفع مستوى الوعي الفني لدى الجيل الجديد.
ولم يقتصر هذا الإقبال على فئة الشباب فحسب، بل امتد ليشمل فئات عمرية مختلفة، إذ يسعى البعض إلى تعلم العزف كهواية متأخرة، أو كوسيلة للترفيه وكسر الروتين اليومي، فيما يجد آخرون في الموسيقى وسيلة للتعبير عن مشاعرهم والتواصل مع الآخرين، خاصة في ظل الضغوط الحياتية التي تدفع الكثيرين للبحث عن متنفس إنساني.
ويؤكد متابعون أن تنوع كركوك الثقافي والقومي كان له دور في إثراء المشهد الموسيقي، حيث تتداخل الألحان العربية والكوردية والتركمانية، ما يمنح المدينة طابعاً فنياً مميزاً ينعكس على نوعية الآلات المطلوبة وأساليب العزف المتداولة، ويخلق حالة من التمازج الثقافي الفريد.
ورغم التحديات الاقتصادية التي تشهدها البلاد، وارتفاع أسعار بعض الآلات المستوردة نتيجة تقلبات السوق، إلا أن سوق الآلات الموسيقية في كركوك لا يزال يحافظ على حيويته، مدفوعاً بشغف محبي الفن ورغبتهم في التعبير عن أنفسهم عبر الموسيقى، التي تبقى لغة عالمية تتجاوز الحدود والثقافات، وتجمع بين الناس مهما اختلفت خلفياتهم.
ويختتم محمد "دي جي" حديثه بالتأكيد على أن "الموسيقى كانت ولا تزال جزءاً من هوية كركوك الثقافية"، مشيراً إلى أن "المحال القديمة، مثل قصر كركوك للآلات الموسيقية، ستبقى شاهدة على هذا الإرث الفني، ومقصداً لكل من يبحث عن صوت يترجم مشاعره ويمنحه مساحة للإبداع، في مدينة لا تزال تنبض بتنوعها و تاريخها الفني العريق".
وبين أوتار العود و انغام الجيتار وإيقاعات الدف و مفاتيح البيانو، تستمر كركوك في رسم ملامح مشهد موسيقي متجدد، يعبّر عن جيل يسعى إلى اكتشاف ذاته، ويؤمن بأن الفن يمكن أن يكون لغة للحياة والأمل في آن واحد.
–
نيوز b.gw قناه وكالة اخبارية اعلامية دولية