القاهرة، مصر — وسط تصاعد التوترات في الشرق الأوسط بعد الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، شددت الحكومة المصرية على "جاهزيتها" لمواجهة أي انعكاسات محتملة على قطاع الطاقة المحلي، مؤكدة "قدرتها" على ضمان استمرار التيار الكهربائي وإمدادات الغاز والمشتقات النفطية دون انقطاع.
وقال رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، إن الدولة المصرية "تؤمّن كافة احتياجاتها من الغاز الطبيعي والنفط والبترول لعدة أشهر، استقدمت سفنًا لتوريد الغاز وزيادة الإنتاج المحلي، بالإضافة إلى استهداف حفر أكثر من 106 آبار استكشافية جديدة لتعزيز الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الطاقة".
وأضاف مدبولي أن الحكومة "تتابع أسعار النفط والغاز العالمية لحظة بلحظة، وأن أي ارتفاع في الأسعار سيتم التعامل معه ضمن خطة لضبط السوق"، مشيراً إلى أن "إجراءات استثنائية مؤقتة ستطبق فقط في حال استمرار الحرب وارتفاع الأسعار بشكل كبير"، وفق بيان رسمي.
وقال الخبير الاقتصادي، وليد جاب الله، إن التطورات العسكرية في المنطقة انعكست بشكل مباشر على الأسواق العالمية، حيث ارتفع سعر الدولار عالميًا، في الوقت الذي انخفض فيه سعر صرف الجنيه أمامه، وهو ما أدى إلى زيادة تكلفة استيراد البترول ومشتقاته، إلى جانب ارتفاع أسعار الخام في الأسواق الدولية.
وأوضح جاب الله، في تصريحات خاصة لـ بالعربية، أن هذه العوامل مجتمعة "تمثل ضغطًا على فاتورة الطاقة في مصر، إلا أن التأثير الحالي لا يزال في نطاق يمكن للحكومة استيعابه على المدى القصير دون اللجوء الفوري إلى إجراءات استثنائية"، مضيفاً أن ما أعلنه رئيس الوزراء بشأن احتمال اتخاذ إجراءات استثنائية في ملف الطاقة "يرتبط بسيناريو استمرار الحرب لفترة طويلة، وفي حال امتداد الأزمة وتصاعد أسعار النفط عالميًا، فقد تضطر الحكومة إلى مراجعة أسعار الطاقة بما يتماشى مع المتغيرات الدولية، خاصة في ظل مسار تحرير الأسعار".
وتراجعت أسعار النفط بعد أن أفادت تقارير بأن عناصر من وزارة الاستخبارات الإيرانية أبدوا استعدادهم للتفاوض مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بشأن إنهاء النزاع، كما انخفض خام برنت 50 سنتًا، أي بنسبة 0.6%، إلى 80.90 دولار للبرميل، بعدما سجل أعلى مستوى له عند 84.48 دولار في وقت سابق.
وأضاف الخبير الاقتصادي أن الإجراءات الحكومية في مثل هذه الظروف تركز على ضبط الأسواق ومنع الممارسات الاحتكارية، لكنها لا تستطيع منع الارتفاعات الناتجة عن زيادة التكلفة الفعلية للطاقة عالميًا، لافتاً أن قدرة الاقتصاد المصري على التحمل تعتمد على مدة الأزمة، فالصدمات قصيرة الأجل يمكن إدارتها، أما إذا طال أمد الحرب، فستكون هناك انعكاسات أوسع على الاقتصاد المحلي شأنه شأن بقية اقتصادات العالم.
وتفاقمت الأزمة في مضيق هرمز بعد أن ضرب الجيش الأمريكي سفينة حربية إيرانية قبالة سواحل سريلانكا، ما أدى إلى توقف حركة الملاحة لليوم الخامس على التوالي وانقطاع إمدادات النفط والغاز الحيوية من الشرق الأوسط، ذلك في الوقت الذي تعهد فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتأمين مرافقة بحرية للسفن المصدرة للنفط في محاولة للحد من أي ارتفاعات إضافية في أسعار الطاقة على المستوى العالمي.
من جانبه، قال نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، مدحت يوسف، إن أي تصعيد عسكري في المنطقة ستكون له "تداعيات مباشرة وقوية على أسواق الطاقة عالميًا، ومن ثم على السوق المصري"، موضحًا أن "التأثير سيظهر عبر 3 محاور رئيسية: النفط الخام، والمنتجات البترولية، والغاز الطبيعي".
وأوضح يوسف أن مصر كانت تعتمد على تعاقدات طويلة الأجل ومرنة مع دول عربية، تتضمن في بعض الأحيان تسهيلات في السداد، وهو ما كان يخفف الضغط على السيولة الدولارية، مشيراً أن اضطراب هذه التعاقدات أو توقفها "سيجبر الدولة على اللجوء إلى الشحنات الفورية بأسعار مرتفعة وسداد فوري، ما يمثل عبئًا ماليًا كبيرًا، خاصة في ظل استيراد نحو 100 ألف برميل يوميًا من الخام".
وقال يوسف إن ارتفاع أسعار النفط عالميًا ينعكس بصورة طردية على أسعار المنتجات البترولية، مثل السولار والبنزين، بل قد تكون الزيادة في المنتجات أكبر من نسبة ارتفاع الخام نفسه، ما يعني زيادة كبيرة في تكلفة الاستيراد، إلى جانب احتمالات تراجع الكميات المتاحة عالميًا إذا طال أمد الحرب، وهو ما قد يضغط على توافر بعض المنتجات في السوق المحلي.
وفيما يتعلق بالغاز الطبيعي، أوضح يوسف في تصريحات خاصة لـ بالعربية، أن أي اضطراب في الإمدادات الإقليمية أو خطوط الأنابيب سيؤدي إلى تراجع وفرة الغاز المسال عالميًا وارتفاع أسعاره بصورة كبيرة.
وقال نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، إن وقف إمدادات الغاز الإسرائيلي للبلاد يمثل ضغطًا إضافيًا، خاصة أن الاتفاقيات السابقة كانت توفر الغاز بأسعار أقل نسبيًا من الأسعار الفورية العالمية.
وأوقفت إسرائيل ضخ الغاز الطبيعي إلى مصر عبر حقلي تمار وليفياثان في البحر المتوسط، بعد الضربات العسكرية المشتركة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ما أدى إلى توقف إمدادات تصل إلى نحو 1.1 مليار قدم مكعب من الغاز يوميًا، ما يزيد الضغط على أسواق الطاقة ويضع مصر أمام تحديات إضافية في تأمين الاحتياجات المحلية.
وأوضح يوسف أن احتياجات مصر من الغاز تنخفض نسبيًا خلال فصل الشتاء، ما قد يمنح السوق انفراجة مؤقتة، إلا أن دخول فصل الصيف وارتفاع استهلاك الكهرباء سيعيد الأزمة بقوة إذا لم تتم زيادة الإنتاج المحلي لتغطية الطلب.
وأضاف أنه في حال استمرار توقف الإمدادات، فإن السيناريو القائم سيكون الاعتماد على استيراد الجزء الأكبر من الاحتياجات بأسعار عالمية مرتفعة، مع عدم وجود مؤشرات واضحة على زيادة الإنتاج المحلي في المدى القريب.
وحول تأثير ذلك على الأسعار محليًا، شدد يوسف على أن استمرار الحرب لفترة طويلة سيرفع تكلفة توفير المنتجات البترولية والغاز بشكل كبير، ما يضع الحكومة أمام تحدٍ صعب بين الالتزام بتثبيت الأسعار كما أعلن سابقًا، أو تحمل عجز متزايد في الموازنة نتيجة فروق الأسعار العالمية.
نيوز b.gw قناه وكالة اخبارية اعلامية دولية